الشوكاني

44

فتح القدير

سورة الفتح ( 1 - 7 ) قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) اختلف في تعيين هذا الفتح ، فقال الأكثر : هو صلح الحديبية ، والصلح قد يسمى فتحا . قال الفراء : والفتح قد يكون صلحا ، ومعنى الفتح في اللغة : فتح المنغلق ، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله . قال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين ، فسمعوا كلامهم . فتمكن الإسلام في قلوبهم ، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام . قال الشعبي : لقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية ما لم يصب في غزوة ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبويع بيعة الرضوان ، وأطعموا نخل خيبر ، وبلغ الهدى محله ، وظهرت الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس . وقال قوم : إنه فتح مكة . وقال آخرون : إنه فتح خيبر . والأول أرجح ، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة أنزلت في شأن الحديبية . وقيل هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح ، وقيل هو ما فتح له من النبوة والدعوة إلى الإسلام ، وقيل فتح الروم ، وقيل المراد بالفتح في هذه الآية الحكم والقضاء ، كما في قوله - افتح بيننا وبين قومنا بالحق - فكأنه قال : إنا قضينا لك قضاء مبينا : أي ظاهرا واضحا مكشوفا ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) اللام متعلقة بفتحنا ، وهي لام العلة . قال ابن الأنباري : سألت أبا العباس : يعنى المبرد عن اللام في قوله ( ليغفر لك الله ) فقال : هي لام كي معناها : إنا فتحنا لك فتحا مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح ، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث واقع حسن معنى كي ، وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة . وقال صاحب الكشاف : إن اللام لم تكن علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز . كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين ، وأعراض العاجل والآجل . وهذا كلام غير جيد ، فإن اللام داخلة على المغفرة فهي علة للفتح . فكيف يصح أن تكون معللة . وقال الرازي في توجيه التعليل : إن المراد بقوله ( ليغفر لك الله ) التعريف بالمغفرة